ابن عربي

189

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

الكعبة ، فأشار عليه ناس غير كثير بهدمها . وقال عبد اللّه بن عباس : دعها على ما أقرّها عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها ، فلا تزال تهدم وتبنى ، ويتهاون بحرمتها ، ولكن ارقعها . فقال ابن الزبير : ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه ، فكيف أرقع بيت اللّه وأنا أنظر إليه على ما ترون من الوهن ؟ وكان ممن أشار بهدمها : جابر بن عبد اللّه ، وعبيد اللّه بن عمير ، وعبد اللّه بن صفوان بن أمية . ثم أجمع ابن الزبير رأيه على هدمها ، وكان يحب أن يكون هو الذي يردّها على ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، على قواعد إبراهيم ، وعلى ما وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعائشة . وأراد أن يبنيها بالورس ، ويرسل إلى اليمن في ورس يشترى له ، فقيل له : إن الورس يذهب ، لكن ابنها بالفضة . فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار ليشترى له فضة ويكترى عليها . ثم سأل رجلا من أهل مكة : من أين أخذت قريش حجارتها ؟ فأخبروه ، فنقل من الحجارة قدر ما يحتاج إليه . فلما أراد هدمها خرج أهل مكة إلى منى ، فأقاموا بها ثلاثا فرقا ، من أن ينزل عليهم عذاب لهدمها ، فأمر ابن الزبير بهدمها ، فما اجترأ على ذلك أحد . فلما رأى ذلك علاها هو بنفسه ، وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي بحجارتها . فلما رأوا أنه لم يصبه شيء ، اجترءوا فصعدوا وهدموها . وأرقى ابن الزبير فوقها عبيدا من الحبش يهدمونها ، رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنه يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبش . وقال مجاهد : سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول : كأني به أصيلع أفيدع قام عليها يهدمها بمسحاته . قال مجاهد : فلما هدم ابن الزبير الكعبة ، جئت أنظر الصفة التي قال عبد اللّه بن عمرو ، فلم أرها . فهدموا وأعانهم الناس حتى ألصقها كلها بالأرض من جوانبها . وكان هدمها يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين . ولم يقرب ابن عباس مكة حتى هدمت الكعبة حتى فرغ منها . وأرسل إلى ابن الزبير : لا تدع الناس بلا قبلة ، انصب لهم حول الكعبة الخشب ، واجعل عليها السور حتى يطوف الناس من ورائها ويصلّوا إليها ، ففعل ذلك ابن الزبير ، وقال ابن الزبير : أشهد لسمعت عائشة تقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن قومك استقصروا في بناء البيت ، وعجزت بهم النفقة فتركوا في الحجر منها أذرعا ، ولو حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة ، وأعدت ما تركوا منها ، وجعلت لها بابين موضوعين : بابا شرقيا يدخل فيها منه الناس ، وبابا غربيا يخرج منه الناس ، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها ؟ » ، قالت : قلت : لا . قال : « تعزّزا لئلا